الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
227
تفسير روح البيان
الشريفة المرضية كما قال عليه السلام ( ان للّه تعالى في كل يوم عشرين ومائة رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ) * واعلم أنه تعالى لما قال أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة وانما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها * وروى عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه انه سمع صوت رجل في المسجد فقال ما هذا أما تدرى اين أنت وفي الحديث ( ان اللّه أوحى إلى يا أخا المنذرين يا أخا المرسلين انذر قومك ان لا يدخلوا بيتا من بيوتي الا بقلوب سليمة وألسنة صادقة وأيدي نقية وفروج طاهرة ولا يدخلوا بيتا من بيوتي ما دام لاحد عندهم مظلمة فانى ألعنه ما دام قائما بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي واصفيائى ويكون جارى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) انتهى * ثم اعلم أن البيت الذي شرفه اللّه بإضافته إلى نفسه وهو بيت القلب في الحقيقة يأمر اللّه تعالى بتطهيره من دنس الالتفات إلى ما سواه فإنه منظر للّه كما قيل دل بدست آور كه حج اكبرست * از هزاران كعبه يك دل بهترست كعبه بنياد خليل آزرست * دل نظرگاه جليل اكبرست فلا بد من تصفيته حتى تعكف عنده الأنوار الإلهية والاسرار الرحمانية وتنزل السكينة والوقار فعند وصول العبد إلى هذه الرتبة فقد سجد لربه حقيقة وركع وناجى مع اللّه بسره وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ اى واذكر يا محمد إذ دعا إبراهيم فقال يا رَبِّ اجْعَلْ هذا المكان وهو الحرم بَلَداً آمِناً ذا أمن يأمن فيه أهله من القحط والجدب والخسف والمسخ والزلازل والجنون والجذام والبرص ونحو ذلك من المثلات التي تحل بالبلاد فهو من باب النسب اى بلدا منسوبا إلى الامن كلابن وتأمر فإنهما لنسبة موصوفهما إلى مأخوذهما كأنه قيل لبنيّ وتمريّ فالاسناد حقيقي أو المعنى بلدا آمنا أهله فيكون من قبيل الاسناد المجازى لان الامن الذي هو صفة لأهل البلد حقيقة قد أسند إلى مكانهم للملابسة بينهما وكان هذا الدعاء في أول ما قدم إبراهيم عليه السلام مكة لأنه لما اسكن إسماعيل وهاجر هناك وعاد متوجها إلى الشام تبعته هاجر فجعلت تقول إلى من تكلنا في هذا البلقع اى المكان الخالي من الماء والنبات وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت آللّه أمرك بهذا فقال نعم قالت إذا لا يضيعنا فرضيت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء اقبل على الوادي فقال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ إلى آخر الآية وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ جمع ثمرة وهي المأكولات مما يخرج من الأرض والشجر فهو سؤال الطعام والفواكه وقيل هي الفواكه وانما خص هذا بالسؤال لان الطعام المعهود مما يكون في كل موضع واما الفواكه فقد تندر فسأل لأهله الامن والسعة مما يطيب العيش ويدوم فاستجاب له في ذلك لما روى أنه لما دعا هذا الدعاء امر اللّه جبريل بنقل قرية من قرى فلسطين كثيرة الثمار إليها فاتى فقلعها وجاء بها وطاف بها حول البيت سبعا ثم وضعها على ثلاث مراحل من مكة وهي الطائف ولذلك سميت به ومنها أكثر ثمرات مكة ويجئ اليه